السيد كمال الحيدري
46
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه
معرفة الله سبحانه وتعالى ، ولذا قال الإمام عليّ ( ع ) : « أوّل الدِّين معرفته » ، فالمعرفة هي المقدّمة الأساسيّة للعبادة ، وما لم تتحقّق المعرفة فلا معنى للعبادة . وكلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله تعالى كانت عبادته أكثر قيمةً عند الله تعالى . وكمثال على ذلك ما يقوله القرآن الكريم : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 291 ) . ففي هذه الآية إشارة إلى مقامات أربعة : الأوّل : يشير القرآن في بعض آياته إلى أصل كلّي وهو أنّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، فالله يعطي للبعض في مقابل الحسنة عشر أمثالها . الثاني : أنّه في هذه الآية لا يعطي مقابل الحسنة عشر أمثالها ، بل يضاعفها إلى سبعمائة ضعف . الثالث : هو مقام وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ، فالله تعالى يضاعف السبعمائة ، ولكن ليس للكلّ ، بل لأولئك الذين يستحقّون ذلك . والسبب أنّ فعل الله تعالى قائم على أساس الحكمة لا على الجزاف والعبثيّة ، فهو يضاعف لمن يستحقّ ، والمستحقّ هو من عرف الله حقّ معرفته ، وقدرَ الله حقّ قدره . الرابع : مقام وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنّه تعالى يعطي البعض على قدر سعة رحمته ، والآية لم تقل : والله واسعٌ حكيم ، أو واسعٌ عزيز ، أو غفور ، بل قالت « واسعٌ عليم » وسبب مجيء لفظة « عليم » هو الإشارة إلى أنّ البعض يستحقّ العشرة ، أو السبعمائة ، أو مضاعفة السبعمائة ، أو يستحقّ بغير حساب ، ومرجع ذلك كلّه إلى قدر معرفة الله سبحانه وتعالى .